ويستعيد العراقيون في هذه المناسبة صورة بغداد الأولى، المدينة المدورة التي بُنيت بمعمار هندسي غير مسبوق في ذلك العصر، محاطة بأسوار عالية وأربعة أبواب كبرى، وجامعٍ ومجلسٍ للخلافة في مركزها، لتكون عاصمة الدولة العباسية ومنطلق العلوم والفنون والترجمة والطب والفلك والفلسفة.
ورغم تعاقب الغزاة وموجات الدمار التي شهدتها عبر القرون، من المغول عام 1258 إلى الحروب الحديثة وتقلبات السياسة، ظلت بغداد مدينة تقاوم الانكسار، محتفظة بعناصر هويتها الثقافية وحضورها في الذاكرة العربية والإسلامية.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن بغداد بلغت ذروة مجدها في العصر العباسي الثاني، حين كانت مركزًا عالميًا للمعرفة بفضل "بيت الحكمة" والمدارس النظامية، ومركزًا تجاريًا وسياسيًا في قلب طريق الحرير، يجتمع فيه التجار والعلماء والفقهاء والرحالة من أنحاء العالم.
كما شهدت المدينة خلال العقود الأخيرة محاولات لإحياء تراثها العمراني والثقافي، عبر مشاريع تهدف إلى تطوير واجهتها التاريخية، وإعادة ترميم المباني التراثية، وتعزيز حضورها في المشهد السياحي والثقافي.
ويؤكد مختصون أن ذكرى التأسيس تمثل فرصة لاستعادة مكانة بغداد باعتبارها مركزًا للحوار الفكري وحاضنة للثقافة والإبداع، خاصة في ظل تحديات الحاضر التي تتطلب رؤية واضحة للنهوض الحضري، وتحسين البنى التحتية، وحماية الهوية التاريخية من الاندثار.
وتبقى بغداد، بحسب المؤرخين، مدينةً لا تشبه سواها، فهي العاصمة التي وُلدت لتكون قلب الشرق، وتجاوزت محن القرون، وما زالت تحمل في تفاصيلها رواية مدينة تتجدد رغم كل العواصف.