متابعات النهرين
غوص عميق في الشهادة التي أحدثت اختراقًا كبيرًا، وكشفت جيفري إبستين وجيسلين ماكسويل، ونضال امرأة واحدة الثابت من أجل العدالة والمساءلة.
اذا كان هناك وجه واحد يمكنه ان يختصر حكاية اغلب ضحايا شبكات الدعارة والبيدوفيليا العابرة للحدود التي كان يقف وراءها جيفري ابستين، فهو وجه فيرجينيا جيفري.
قصة فيرجينيا من اكثر القصص ايلاما في هذه الفضيحة. ليست لانها فتاة 'استثنائية'، بل لانها عادية، وتشبه الكثيرين منا الى حد القسوة. فتاة ولدت وهي تحمل في جسدها حكما مسبقا عليها بالادانة، ومشنقة اجتماعية جاهزة، فقط لانها فتاة، وفقط لانها جميلة في عالم قبيح.
في عام 2000، وهي في السادسة عشرة من عمرها، بدات العمل كموظفة خدمة في منتجع مارالاغو المملوك لدونالد ترامب. كانت مهامها بسيطة: تنظيف، ترتيب، وخدمة في قسم السبا داخل المجمع كأي عمل يمكن ان يحصل عليه مراهق بعمرها. هناك رآها جيفري ابستين وشريكته غيسلاين ماكسويل. لم 'يتعرفا' عليها؛ بل جنداها حرفيا. من تلك اللحظة، بدات رحلة طويلة من الاستغلال والاغتصاب المنهجي.
فيرجينيا افادت مرارا بانها تعرضت لاعتداءات جنسية متكررة من ابستين نفسه، عشرات المرات، ومن رجال اخرين ضمن الشبكة. وهي تتهم الامير اندرو، ابن الملكة اليزابيث الثانية سابقا، بانها نقلت على الاقل ثلاث مرات الى المملكة المتحدة لممارسة الجنس معه.
الاستغلال لم يكن جسديا فقط، بل نفسيا وعاطفيا الى حد المرض. بحسب روايتها، حاول ابستين وماكسويل اقناعها بان تحمل طفلا من ابستين، اي استخدامها كام بديلة. وكانا يدفعانها الى اداء دور 'الام' لابستين نفسه، وهي لم تبلغ العشرين بعد: ليال كاملة كان يطلب منها ان تاخذه الى السرير وتبقى الى جانبه حتى ينام. هذا ليس انحرافا فرديا، هذا مختبر للسيطرة النفسية.
في التاسعة عشرة من عمرها، هربت من شبكة الاتجار بالبشر التي كان يقودها ابستين، وفرت بجلدها الى تايلاند. لم تتجه الى الشرطة ولا الى الاعلام فورا. انتظرت حتى 2011 لتروي قصتها علنا، ولتتواصل مع السلطات والاعلام من استراليا حيث كانت تقيم.
النتيجة طبعا، لم يصدقها احد. تكذيب، تشهير، واتهامات جاهزة: كاذبة، مختلقة، انتهازية، تصطاد الاغنياء لابتزازهم. لم تؤخذ على محمل الجد. ليس لان قصتها ضعيفة، بل لان المتهمين اقوياء.
لم يبدا العالم بالانصات الا في 2019، بعد تراكم الوثائق، وتفجر التحقيقات الصحفية، وعودة ابستين الى السجن. فجاة صار ما قالته 'محتملًا'، ثم 'مرجحا'، ثم 'مرجحا جدا'. حتى بعد ذلك، استمر التشهير بها على الاعلام ووسائل التواصل، وكان تصديق الضحية يجب ان يمر بمراحل اختبار اجتماعي طويل، فيما يكفي المتهم نفوذه ليحصل على براءة افتراضية.
في احدى مقابلاتها، قالت فيرجينيا بوضوح:
'لا اتذكر التواريخ بدقة، ولا الازمنة. كل ما اتذكره هو وجوه الرجال الذين اغتصبوني.'
بفعل مواجهتها العلنية المستمرة، تحولت فيرجينيا تدريجيا الى الوجه الاكثر شهرة لبقية ضحايا ابستين. كانت قوية امام الكاميرا، وفي شهاداتها امام المحققين والمحاكم، لكن حياتها الخاصة كانت ساحة حرب اخرى. صرحت لاحقا بانها تعرضت للاغتصاب من والدها قبل سنوات من استغلال ابستين لها. وبعد هروبها الى تايلاند وزواجها وانتقالها الى استراليا، قالت انها تعرضت لعنف منزلي متكرر من زوجها (هناك صورة لها بكدمات ظاهرة على وجهها واجزاء من جسدها). وعندما لجأت الى الشرطة، انتهى الامر بنزع الوصاية عنها على اطفالها. حتى عندما حاولت النجاة، عاقبها النظام!
تدهورت حالتها الصحية والنفسية في سنواتها الاخيرة، قبل ان تنهي حياتها متنحرة في ابريل 2025 عن عمر 41 عاما.
هذا النص ليس سيرة كاملة، بل مقتطفات ناقصة من حياة ممتلئة بالالم والخذلان. قصة امراة شجاعة عاشت حياة قصيرة نسبيا وممتدة وطويلة في الوقت نفسه من العنف والاستغلال والتكذيب. لم يساء اليها من مجرم واحد او اثنين فقط، بل من ثقافة كاملة قررت، حين واجهت الحقيقة، ان تشك في الضحية بدل ان تحاسب الجلاد.
قصة فرجينيا كاملة نشرت في كتاب سيرة ذاتية بعنوان (فتاة لا يملكها احد)، كتبته قبل موتها، لينشر بعد ذلك، كشهادة تتركها فرجينيا لنا، في محاولة اخيرة منها، لنصدقها.
متابعات النهرين
غوص عميق في الشهادة التي أحدثت اختراقًا كبيرًا، وكشفت جيفري إبستين وجيسلين ماكسويل، ونضال امرأة واحدة الثابت من أجل العدالة والمساءلة.
اذا كان هناك وجه واحد يمكنه ان يختصر حكاية اغلب ضحايا شبكات الدعارة والبيدوفيليا العابرة للحدود التي كان يقف وراءها جيفري ابستين، فهو وجه فيرجينيا جيفري.
قصة فيرجينيا من اكثر القصص ايلاما في هذه الفضيحة. ليست لانها فتاة 'استثنائية'، بل لانها عادية، وتشبه الكثيرين منا الى حد القسوة. فتاة ولدت وهي تحمل في جسدها حكما مسبقا عليها بالادانة، ومشنقة اجتماعية جاهزة، فقط لانها فتاة، وفقط لانها جميلة في عالم قبيح.
في عام 2000، وهي في السادسة عشرة من عمرها، بدات العمل كموظفة خدمة في منتجع مارالاغو المملوك لدونالد ترامب. كانت مهامها بسيطة: تنظيف، ترتيب، وخدمة في قسم السبا داخل المجمع كأي عمل يمكن ان يحصل عليه مراهق بعمرها. هناك رآها جيفري ابستين وشريكته غيسلاين ماكسويل. لم 'يتعرفا' عليها؛ بل جنداها حرفيا. من تلك اللحظة، بدات رحلة طويلة من الاستغلال والاغتصاب المنهجي.
فيرجينيا افادت مرارا بانها تعرضت لاعتداءات جنسية متكررة من ابستين نفسه، عشرات المرات، ومن رجال اخرين ضمن الشبكة. وهي تتهم الامير اندرو، ابن الملكة اليزابيث الثانية سابقا، بانها نقلت على الاقل ثلاث مرات الى المملكة المتحدة لممارسة الجنس معه.
الاستغلال لم يكن جسديا فقط، بل نفسيا وعاطفيا الى حد المرض. بحسب روايتها، حاول ابستين وماكسويل اقناعها بان تحمل طفلا من ابستين، اي استخدامها كام بديلة. وكانا يدفعانها الى اداء دور 'الام' لابستين نفسه، وهي لم تبلغ العشرين بعد: ليال كاملة كان يطلب منها ان تاخذه الى السرير وتبقى الى جانبه حتى ينام. هذا ليس انحرافا فرديا، هذا مختبر للسيطرة النفسية.
في التاسعة عشرة من عمرها، هربت من شبكة الاتجار بالبشر التي كان يقودها ابستين، وفرت بجلدها الى تايلاند. لم تتجه الى الشرطة ولا الى الاعلام فورا. انتظرت حتى 2011 لتروي قصتها علنا، ولتتواصل مع السلطات والاعلام من استراليا حيث كانت تقيم.
النتيجة طبعا، لم يصدقها احد. تكذيب، تشهير، واتهامات جاهزة: كاذبة، مختلقة، انتهازية، تصطاد الاغنياء لابتزازهم. لم تؤخذ على محمل الجد. ليس لان قصتها ضعيفة، بل لان المتهمين اقوياء.
لم يبدا العالم بالانصات الا في 2019، بعد تراكم الوثائق، وتفجر التحقيقات الصحفية، وعودة ابستين الى السجن. فجاة صار ما قالته 'محتملًا'، ثم 'مرجحا'، ثم 'مرجحا جدا'. حتى بعد ذلك، استمر التشهير بها على الاعلام ووسائل التواصل، وكان تصديق الضحية يجب ان يمر بمراحل اختبار اجتماعي طويل، فيما يكفي المتهم نفوذه ليحصل على براءة افتراضية.
في احدى مقابلاتها، قالت فيرجينيا بوضوح:
'لا اتذكر التواريخ بدقة، ولا الازمنة. كل ما اتذكره هو وجوه الرجال الذين اغتصبوني.'
بفعل مواجهتها العلنية المستمرة، تحولت فيرجينيا تدريجيا الى الوجه الاكثر شهرة لبقية ضحايا ابستين. كانت قوية امام الكاميرا، وفي شهاداتها امام المحققين والمحاكم، لكن حياتها الخاصة كانت ساحة حرب اخرى. صرحت لاحقا بانها تعرضت للاغتصاب من والدها قبل سنوات من استغلال ابستين لها. وبعد هروبها الى تايلاند وزواجها وانتقالها الى استراليا، قالت انها تعرضت لعنف منزلي متكرر من زوجها (هناك صورة لها بكدمات ظاهرة على وجهها واجزاء من جسدها). وعندما لجأت الى الشرطة، انتهى الامر بنزع الوصاية عنها على اطفالها. حتى عندما حاولت النجاة، عاقبها النظام!
تدهورت حالتها الصحية والنفسية في سنواتها الاخيرة، قبل ان تنهي حياتها متنحرة في ابريل 2025 عن عمر 41 عاما.
هذا النص ليس سيرة كاملة، بل مقتطفات ناقصة من حياة ممتلئة بالالم والخذلان. قصة امراة شجاعة عاشت حياة قصيرة نسبيا وممتدة وطويلة في الوقت نفسه من العنف والاستغلال والتكذيب. لم يساء اليها من مجرم واحد او اثنين فقط، بل من ثقافة كاملة قررت، حين واجهت الحقيقة، ان تشك في الضحية بدل ان تحاسب الجلاد.
قصة فرجينيا كاملة نشرت في كتاب سيرة ذاتية بعنوان (فتاة لا يملكها احد)، كتبته قبل موتها، لينشر بعد ذلك، كشهادة تتركها فرجينيا لنا، في محاولة اخيرة منها، لنصدقها.
متابعات النهرين
غوص عميق في الشهادة التي أحدثت اختراقًا كبيرًا، وكشفت جيفري إبستين وجيسلين ماكسويل، ونضال امرأة واحدة الثابت من أجل العدالة والمساءلة.
اذا كان هناك وجه واحد يمكنه ان يختصر حكاية اغلب ضحايا شبكات الدعارة والبيدوفيليا العابرة للحدود التي كان يقف وراءها جيفري ابستين، فهو وجه فيرجينيا جيفري.
قصة فيرجينيا من اكثر القصص ايلاما في هذه الفضيحة. ليست لانها فتاة 'استثنائية'، بل لانها عادية، وتشبه الكثيرين منا الى حد القسوة. فتاة ولدت وهي تحمل في جسدها حكما مسبقا عليها بالادانة، ومشنقة اجتماعية جاهزة، فقط لانها فتاة، وفقط لانها جميلة في عالم قبيح.
في عام 2000، وهي في السادسة عشرة من عمرها، بدات العمل كموظفة خدمة في منتجع مارالاغو المملوك لدونالد ترامب. كانت مهامها بسيطة: تنظيف، ترتيب، وخدمة في قسم السبا داخل المجمع كأي عمل يمكن ان يحصل عليه مراهق بعمرها. هناك رآها جيفري ابستين وشريكته غيسلاين ماكسويل. لم 'يتعرفا' عليها؛ بل جنداها حرفيا. من تلك اللحظة، بدات رحلة طويلة من الاستغلال والاغتصاب المنهجي.
فيرجينيا افادت مرارا بانها تعرضت لاعتداءات جنسية متكررة من ابستين نفسه، عشرات المرات، ومن رجال اخرين ضمن الشبكة. وهي تتهم الامير اندرو، ابن الملكة اليزابيث الثانية سابقا، بانها نقلت على الاقل ثلاث مرات الى المملكة المتحدة لممارسة الجنس معه.
الاستغلال لم يكن جسديا فقط، بل نفسيا وعاطفيا الى حد المرض. بحسب روايتها، حاول ابستين وماكسويل اقناعها بان تحمل طفلا من ابستين، اي استخدامها كام بديلة. وكانا يدفعانها الى اداء دور 'الام' لابستين نفسه، وهي لم تبلغ العشرين بعد: ليال كاملة كان يطلب منها ان تاخذه الى السرير وتبقى الى جانبه حتى ينام. هذا ليس انحرافا فرديا، هذا مختبر للسيطرة النفسية.
في التاسعة عشرة من عمرها، هربت من شبكة الاتجار بالبشر التي كان يقودها ابستين، وفرت بجلدها الى تايلاند. لم تتجه الى الشرطة ولا الى الاعلام فورا. انتظرت حتى 2011 لتروي قصتها علنا، ولتتواصل مع السلطات والاعلام من استراليا حيث كانت تقيم.
النتيجة طبعا، لم يصدقها احد. تكذيب، تشهير، واتهامات جاهزة: كاذبة، مختلقة، انتهازية، تصطاد الاغنياء لابتزازهم. لم تؤخذ على محمل الجد. ليس لان قصتها ضعيفة، بل لان المتهمين اقوياء.
لم يبدا العالم بالانصات الا في 2019، بعد تراكم الوثائق، وتفجر التحقيقات الصحفية، وعودة ابستين الى السجن. فجاة صار ما قالته 'محتملًا'، ثم 'مرجحا'، ثم 'مرجحا جدا'. حتى بعد ذلك، استمر التشهير بها على الاعلام ووسائل التواصل، وكان تصديق الضحية يجب ان يمر بمراحل اختبار اجتماعي طويل، فيما يكفي المتهم نفوذه ليحصل على براءة افتراضية.
في احدى مقابلاتها، قالت فيرجينيا بوضوح:
'لا اتذكر التواريخ بدقة، ولا الازمنة. كل ما اتذكره هو وجوه الرجال الذين اغتصبوني.'
بفعل مواجهتها العلنية المستمرة، تحولت فيرجينيا تدريجيا الى الوجه الاكثر شهرة لبقية ضحايا ابستين. كانت قوية امام الكاميرا، وفي شهاداتها امام المحققين والمحاكم، لكن حياتها الخاصة كانت ساحة حرب اخرى. صرحت لاحقا بانها تعرضت للاغتصاب من والدها قبل سنوات من استغلال ابستين لها. وبعد هروبها الى تايلاند وزواجها وانتقالها الى استراليا، قالت انها تعرضت لعنف منزلي متكرر من زوجها (هناك صورة لها بكدمات ظاهرة على وجهها واجزاء من جسدها). وعندما لجأت الى الشرطة، انتهى الامر بنزع الوصاية عنها على اطفالها. حتى عندما حاولت النجاة، عاقبها النظام!
تدهورت حالتها الصحية والنفسية في سنواتها الاخيرة، قبل ان تنهي حياتها متنحرة في ابريل 2025 عن عمر 41 عاما.
هذا النص ليس سيرة كاملة، بل مقتطفات ناقصة من حياة ممتلئة بالالم والخذلان. قصة امراة شجاعة عاشت حياة قصيرة نسبيا وممتدة وطويلة في الوقت نفسه من العنف والاستغلال والتكذيب. لم يساء اليها من مجرم واحد او اثنين فقط، بل من ثقافة كاملة قررت، حين واجهت الحقيقة، ان تشك في الضحية بدل ان تحاسب الجلاد.
قصة فرجينيا كاملة نشرت في كتاب سيرة ذاتية بعنوان (فتاة لا يملكها احد)، كتبته قبل موتها، لينشر بعد ذلك، كشهادة تتركها فرجينيا لنا، في محاولة اخيرة منها، لنصدقها.
التعليقات